السيد عبد الله شبر
326
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
اللَّه يخلق التوحيد والكفر والطاعة والمعصية في عباده ، ويمكن أن يتوهّم متوهّم أنّ ظاهر بعض الآيات وبعض الروايات معهم ، وليس الأمر كذلك ، بل معناهما أنّ اللَّه تعالى كلّف الأرواح كلّهم ؛ صغيرهم وكبيرهم ، وكافرهم ومؤمنهم قبل تعلّقهم بالأبدان بثلاثة أشياء : الإقرار بالربوبيّة والنبوّة والولاية ، فأقرّ بعض بكلّها ، وبعضهم ببعض ، دون بعض ، ثمّ كلّف جمعاً منهم بعد تعلّقهم بالأبدان ، فكلّ يعمل في عالم الأبدان على وفق ما عمل في عالم الأرواح . وأمّا إنّه تعالى هو المضلّ فقد تواترت الأخبار عنهم بأنّ اللَّه تعالى يخرج العبد من الشقاوة إلى السعادة ، ولا يخرجه من السعادة إلى الشقاوة ، فلابدّ من الجمع بينهما ، ووجه الجمع - كما يستفاد من الأحاديث وإليه ذهب ابن بابويه - أنّ من جملة غضب اللَّه تعالى على بعض العباد أنّه إذا وقع منهم عصيان ينكت نكتة سوداء في قلبه ؛ فإن تاب وأناب يزيل اللَّه تعالى تلك النكتة ، وإلّا فتنتشر تلك النكتة حتّى تستوعب قلبه كلّه ، فحينئذٍ لا يلتفت قلبه إلى موعظة ودليل . لا يقال : من المعلوم أنّه غير مكلّف بعد ذلك ؛ لأنّه إذا امتنع تأثّر قلبه فيكون التكليف من قبيل التكليف بما لا يطاق . لأنّا نقول : من المعلوم أنّ انتشار تلك النكتة لا ينتهي إلى حدّ تعذُّر التأثّر . وممّا يؤيّد هذا المقام ما اشتمل عليه كثير من الأدعية المأثورة من أهل بيت النبوّة من الاستعاذة باللَّه من ذنب لا يوفّق صاحبه للتوبة بعده أبداً . « 1 » انتهى كلامه ملخّصاً ، وإنّما نقلناه بطوله لما فيه من الفوائد . [ الجمع بين وجوب المعرفة على العباد وأنّ المعرفة من صنع اللَّه ] وأقول : هذا ما يقتضيه الأخبار المذكورة ، وأمّا تطبيقها على ما ذهب إليه أكثر أصحابنا والمعتزلة والأشاعرة من أنّ معرفته تعالى نظريّة واجبة على العباد ، وأنّه تعالى كلّفهم بالنظر والاستدلال فيها ، إلّاأنّ الأشاعرة قالوا : يجب معرفته تعالى نقلًا بالنظر ، والمعرفة بعده من صنع اللَّه بطريق العادة ، والمعتزلة ومن يحذو حذوهم قالوا : يجب
--> ( 1 ) . انظر : الفوائد المدنيّة ، ص 407 - 449 .